الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
115
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ أبي ] « 1 » حاتم بسنده إلى ابن عباس : « يسيل واد من أصل العرش فيما بين الصيحتين فينبت منه كلّ خلق بلي إنسان أو دابة ولو مرّ عليهم مارّ قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم قد نبتوا على وجه الأرض ، ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد » ا ه . وأمور الآخرة لا تتصورها الأفهام بالكنه وإنما يجزم العقل بأنها من الممكنات وهي مطيعة لتعلق القدرة التنجيزي . والإنسان المذكور هنا هو الإنسان المذكور في قوله : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ [ عبس : 17 ] وإنما جيء باسمه الظاهر دون الضمير كما في قوله : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [ عبس : 18 ] ، لأن ذلك قريب من معاده وما هنا ابتداء كلام فعبر فيه بالاسم الظاهر للإيضاح . وأدمج في ذلك منة عليه بالإمداد بالغذاء الذي به إخلاف ما يضمحل من قوته بسبب جهود العقل والتفكير الطبيعية التي لا يشعر بحصولها في داخل المزاج ، وبسبب كد الأعمال البدنية والإفرازات ، وتلك أسباب لتبخر القوى البدنية فيحتاج المزاج إلى تعويضها وإخلافها وذلك بالطعام والشراب . وإنما تعلق النظر بالطعام مع أن الاستدلال هو بأحوال تكوين الطعام ، إجراء للكلام على الإيجاز ويبينه ما في الجمل بعده من قوله : أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا إلى آخرها . فالتقدير : فلينظر الإنسان إلى خلق طعامه وتهيئة الماء لإنمائه وشق الأرض وإنباته وإلى انتفاعه به وانتفاع مواشيه في بقاء حياتهم . وقرأ الجمهور : أَنَّا صَبَبْنَا بكسر همزة ( إنّا ) على أن الجملة بيان لجملة : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ لتفصيل ما أجمل هنالك على وجه الإيجاز . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بفتح الهمزة على أنه اسم بدل اشتمال من طَعامِهِ أو البدل الذي يسميه بعض النحويين بدل مفصّل من مجمل . والصّب : إلقاء صبرة متجمعة من أجزاء مائعة أو كالمائعة في الدقة في وعاء غير الذي كانت فيه ، يقال : صب الماء في الجرة ، وصب القمح في الهري ، وصبّ الدراهم في الكيس . وأصله : صبّ الماء ، مثل نزول المطر وإفراغ الدلو . والشق : الإبعاد بين ما كان متصلا . والمراد هنا شقّ سطح الأرض بخرق الماء فيه أو بآلة كالمحراث والمسحاة ، أو بقوة حرّ الشمس في زمن الصيف لتتهيأ لقبول الأمطار في فصل الخريف والشتاء .
--> ( 1 ) زيادة من « تفسير ابن كثير » عند شرح الآية ، والنقل منه بتصرف .